الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
103
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
وتهذيبا فإن البلاء للأولياء كاللهب للذهب كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن أشد الناس بلاء : الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل » « 1 » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « يبتلى الرجل على قدر دينه » « 2 » . أي وذلك لأن اللّه غيور على قلوب خواص عباده المحبوبين فإذا حصلت مساكنة بعضهم إلى بعض أجرى اللّه تعالى ما يرد كل واحد منهم عن صاحبه ، ويرده إلى حضرته ، وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما قيل له : أيّ الناس أحب إليك ؟ قال : « عائشة » فساكنها « 3 » وقال : « يا عائشة حبك في قلبي كالعقدة » وفي بعض الأخبار أن عائشة رضي اللّه عنها قالت : يا رسول اللّه إني أحبك وأحب قربك اه . فأجرى اللّه تعالى حديث أهل الإفك حتى رد اللّه رسوله عن عائشة إلى اللّه تعالى بانحلال عقدة حبها عن قلبه ، ورد عائشة عنه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى اللّه تعالى حتى قالت لما ظهرت براءة ساحتها : بحمد اللّه لا بحمدك . وقصة الإفك : إن عائشة قالت : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج اسمها خرج بها معه ، فأقرع بيننا في غزوة قبل غزوة بني المصطلق ، فخرج فيها اسمي ، فخرجت معه صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك بعد نزول آية الحجاب ، فحملت في هودج ، فسرنا حتى إذا رجعنا وقربنا من المدينة نزلنا منزلا ثم نودي بالرحيل ، فقمت ومشيت حتى جاوزت الجيش ، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي ، فلمست صدري فإذا عقدي من جزع أظفار قد انقطع ، فرجعت والتمسته ، وحبسني طلبه ، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي ، فحملوا هودجي ، فظنوا أني في الهودج ، وذهبوا بالبعير ، ووجدت عقدي فلما رجعت لم أجد في المكان أحدا فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش فلما رآني عرفني ، فاستيقظت باسترجاعه فخمرت ، وجهي بجلبابي وو اللّه ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ، فنزل حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها ، فقمت إليها ، فركبتها ، ثم قاد البعير حتى أتينا الجيش فتفقّدني الناس حين نزلوا وماجوا في ذكري فبينا الناس كذلك إذ هجمت عليها فخاض الناس في حديثي ، والذي بدأ بالإفك وأذاعه بين الناس عبد اللّه بن أبيّ فقدمنا المدينة ، فلحقني وجع ولم أر من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اللطف الذي كنت أعرفه منه حين أشتكي ، إنما يدخل فيسلم ، ثم يقول : « كيف تيكم ؟ » ثم ينصرف فلا أشعر بما جرى من الإفك حتى نقهت ، فخرجت في بعض الليالي مع أم مسطح جهة المناصع ، وكان متبرزنا ثم أقبلت أنا وهي قبل بيتي فعثرت ، أم مسطح في مرطها فقالت : تعس مسطح . فقلت لها : بئس ما قلت ، أتسبين رجلا شهد بدرا ؟ ! فقالت : أو ما بلغك الخبر ؟ فقلت :
--> ( 1 ) رواه أحمد في ( م 1 / ص 80 ) . ( 2 ) رواه أحمد في ( م 6 / ص 103 ، 197 ) ، والمتقي الهندي في كنز العمال ( 34358 ) ، والطبري في التفسير ( 8 : 73 ) . ( 3 ) رواه ابن حبيب في مسند الربيع ( 1 : 6 ) ، بما معناه .